تخيلوا المشهد جيدًا..
بعد أربع عشرة سنة من الدم، وسنة ونصف على سقوط واحد من أبشع الأنظمة في التاريخ الحديث، يقف رئيس سوري جديد في مؤتمر صحفي، أمام دولة أوروبية كبيرة كألمانيا..
ثم عن ماذا يُسأل أولًا؟
يُسأل عن "الأقليات"
حل تمزحون معنا حقًا!
يعني ليس عن مليون ونصف شهيد؟
ليس عن المدن التي مُسحت عن الخريطة.
ليس عن المعتقلات التي ابتلعت أحبّائنا بمئات الآلاف فاختفوا كأنهم لم يُخلقوا أصلًا!
ليس عن النساء المغتصبات في سجون الاحتلال الأسدي، ولا عن الأطفال الذين كبروا في الخيام دون أن يعرفوا معنى الوطن أو حتى سقف منزل.
ليس عن البراميل المتفجرة، ولا السلاح الكيماوي، ولا الحصار حتى الموت.
لاااا لا تكبّرها ولا تغلط، فالسؤال الأول دائمًا يجب أن يكون: ماذا عن الأقليات؟
أهو معيار تقييم أم ماذا بالضبط!
تبًا وألف تب، وكأن المأساة السورية لم تكن مذابح جماعية.
كأنها لم تكن واحدة من أكبر عمليات القتل المنهجي والإبادة الجماعية في هذا القرن.
كأن المشكلة الحقيقية ليست نظامًا حوّل البلاد إلى مسلخ بشري، بل شعبٌ يُفترض به (في مخيلة بعضهم) أنه وُلد ليضطهد غيره.
اسمحوا لي بسؤال هو من أبسط ما يتبادر على ذهن أي إنسان عاش المعاناة.. أين كانت هذه الحساسية المفرطة حين كانت السجون تغص بمئات الآلاف من المسلمين السنة؟
حين كانت صور ضحايا معذبيهم تُسرّب بعشرات الآلاف؟
حين كانت الأحياء تُسوّى بالأرض فوق رؤوس أهلها من السنة فقط؟
حين كانت تحاصر مدن السنة ويموت الأطفال.. حين استخدموا الجوع سلاحًا للقتل؟
أين هم اليوم من الأمهات اللاتي تبحثن عن ابنائهم بين صور الموتى فلا يجدنهم؟
لماذا لم تمارسوا انتقائيتكم على نظام بشار الأسد الأقلّوي الذي كان يذبح السنة بينما تُسمّون الأقليات اليوم بأسمائهم وأسماء قراهم وأحيائهم؟! لماذا والكثير من لماذا؟
ثم اليوم، بعد أن تنفّس الناس أول خيط من الحرية.. بعد أن سقط الجلاد، بعد أن بدأت البلاد تلمّ شتات نفسها، (حين بدء السوري يشعر بإنتمائه لسوريّته) أصبح الهمّ الأول هو "مصير الأقليات".
أي منطق تفرقة هذا؟
أي اختزالٍ فجّ لمأساة شعبٍ كامل؟
أي إصرارٍ على تجاهل الجرح الحقيقي والنبش في صورةٍ نمطيةٍ بائسة؟
لماذا تقسمون السوريين على أساس طائفي وعرقي؟ لماذا تكرسون هذا النمط وتخربون نسيج المجتمع وتزرعون في عقول الناس أفكارًا بائدة (فوق ما الأسد خرّب عقولهم أصلًا).
ليست أسئلة الافتراضات المشوهة التي كان يجب أن تُطرح أولًا، بل الحقائق التي يعرفها العالم كله:
كيف صمد هذا الشعب كل هذه السنين؟
كيف واجه آلة القتل المنهجي؟
كيف سيُحاسَب المجرمون؟
أين أصبح مسار العدالة لضحايا السجون والمجازر؟
كيف ستبنون الدولة من تحت ركام إرهاب الأسد؟
كيف سيعود اللاجئون؟
كيف سيُرمَّم ما دمّره الاستبداد والتوحّش والخقد الطائفي؟
هذه هي الأسئلة الأولى التي كانت تليق بدماء السوريين.
هذه هي الأسئلة التي تليق بأن يسألها صحفي لرئيس بلد خرجت للتو من الجحيم.
أما الإصرار في كل مرة على اختزال القضية في الأقليات فهو ليس حرصًا كما يُدّعى.. بل عجز عن رؤية الحقيقة، أو تجاهلٌ متعمّد لها.
لم تكن سوريا يومًا قضية أقليات وأكثريات
بل كانت قضية شعب مسحوق وأراد أن يعيش فتكالب عليه شذاذ الآفاق ممن لا أُريد ذكرهم في هذه التدوينة.
وإنه لَمِن الظلم، بل من القسوة.. أن يُسأل الناجي مِن المذبحة ويقال له: "يجب أن تضمن حقوق غيرك بدءًا من طائفة الأسد"، قبل أن يُسأل: "كيف تُعاد حُقوقك ويلتمّ شملك؟".