لحظاتُ الصمتِ الثقيلة، تلك التي تعقبُ الصدمةَ عند أول قذيفة أو صاروخ يسقط بالأرجاء، بينما الإنسان محاصرٌ بأُسرته.. يقرأُ الخوفَ عاريًا في وجوههم؛ تلك النظرة.. كفيلة وحدها بأن تُسقِطَ عن المرء كلَّ ادّعاءاته، وأن تُعلِّمه أن الكلامَ عن الحروبِ ليس ميدانًا للفصاحة ولا موضعًا للتباهي بالصلابة.
هناك، حيثُ يختلطُ صوتُ الانفجارِ بخفقِ القلوب ورعشة اليدين، يتبدّدُ الزيف، ويصمتُ اللسانُ الذي طالما أسرفَ في إطلاق الأحكام.
وكذلك شأنُ الزلازل؛ حين تهتزُّ الأرض من تحت الأقدام، لا يثبتُ حينها إلا القليل، فتتعرّى النفوسُ من عزّتها وأنفتها فلا يبقى إلا حقيقتُها العارية.. أنك خائف.
هاتان اللحظتان وحدهما كفيلتان بأن تضعا الإنسانَ أمام مرآته الصادقة ليرى كم هو هشّ، وكم كان يتكلمُ بألفاظ تفوقُ حجمَه، ويَنسُبُ إلى نفسِه من الثباتِ ما لا يملك ولا يُطيق.